محمد أبو زهرة

3535

زهرة التفاسير

ثم يبين سبحانه صفات النبي صلى اللّه عليه وسلم في الصدق والأمانة وشرف النفس مما يوجب تصديقه فقال تعالى : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أميا صادقا لا أقول شعرا ، ولا كنت خطيبا فيكم ، ولقد علمتم قولي وكيف اختلف عما أتلوه عليكم ، وقد كنت وإياكم في بلد أمّى لا علم فيه ولا درس ، لم أمارس علما أو ألق عالما ، ثم قرأت عليكم كتابا أعجزكم بيانه وفصاحته وما فيه من علم غزير بالحلال والحرام والأخبار الصادقة ، وقصص فيها العبرة لمن يعتبر ، هكذا كان عمرى فيكم قبل البعث . أَ فَلا تَعْقِلُونَ أفلا توازنون بعقولكم بين الحاضر ، وبين ماض لا يتفق وما جئتكم به . وإن توجيههم إلى الماضي النبوي الكريم يدل على أمرين : أولهما - أنه صادق شريف ينبغي الإيمان بقوله ، وأنه لا يدعى باطلا وأولى به ألا يكذب على اللّه إذ كان لم يكذب قط قبل . ثانيهما - أنهم عرفوا كلامه وأنه كان بليغا ، وأنه لم يقرض شعرا ، ولم يرق منبرا ، فهذا الذي يتلى ليس من نوع كلامه ولا يمكن أن يكون من كلام أحد . وقوله تعالى : أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( الفاء ) متأخرة عن تقديم ، مترتبة على ما قبلها وأخرت لمكان الاستفهام من الصدارة ، والاستفهام إنكاري بمعنى نفى الوقوع ، داخل على نفى ، وهو ( لا ) ونفى النفي إثبات ، فهو تحريض على التفكير والتدبر وألا يركب الشيطان رؤوسهم فيهملوا عقولهم ويكونوا قوما بورا . وهكذا كل من أهمل القرآن وتركه يريد معجزه أخرى : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) [ الحشر ] . ثم أشار سبحانه إلى ظلم من كذب على اللّه أو كذب بآياته فقال تعالى :